أبي الفرج الأصفهاني
412
الأغاني
ومهلكك ، وعندي رأي لك ، لست أشير به عليك لأدفعك عما تريده من مجاورتي ولكنه الصواب ؛ فقال : / هاته ؛ فقال : إن كلّ أمر يجمل بالرجل أن يكون عليه إلا أن يكون بعد الملك سوقة ، والموت نازل بكل أحد ، ولأن تموت كريما خير من أن تتجرّع الذلّ أو تبقى سوقة بعد الملك ، هذا إن بقيت ، فأمض إلى صاحبك وارسل إليه هدايا ومالا وألق نفسك بين يديه ، فإما أن صفح عنك فعدت ملكا عزيزا ، وإما أن أصابك فالموت خير من أن يتلعّب بك صعاليك العرب ويتخطَّفك ذئابها وتأكل مالك وتعيش فقيرا مجاورا أو تقتل مقهورا ؛ فقال : كيف بحرمي ؟ قال : هنّ في ذمتي ، لا يخلص إليهنّ حتى يخلص إلى بناتي ؛ فقال : هذا وأبيك الرأي الصحيح ، ولن أجاوزه . ثم اختار خيلا وحللا من عصب [ 1 ] اليمن وجوهرا وطرقا كانت عنده ، ووجّه بها إلى كسرى وكتب إليه يعتذر ويعلمه أنه صائر إليه ، ووجّه بها مع رسوله ، فقبلها كسرى / وأمره بالقدوم ؛ فعاد إليه الرسول فأخبره بذلك وأنه لم ير له عند كسرى سوءا . فمضى إليه حتى إذا وصل إلى المدائن [ 2 ] لقيه « زيد بن عديّ على قنطرة ساباط [ 3 ] ، فقال له : انج نعيم ، إن استطعت النّجاء ؛ فقال له : أفعلتها يا زيد ! أما واللَّه ، لئن عشت لك لأقتلنّك قتلة لم يقتلها عربيّ قط ولألحقنّك بأبيك ! فقال له زيد : امض لشأنك نعيم ، فقد واللَّه أخّيت لك أخيّة [ 4 ] لا يقطعها المهر الأرن [ 5 ] . وصول النعمان لكسرى وسجنه ثم موته فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه ، فقيّده وبعث به إلى سجن كان له بخانقين [ 6 ] ، فلم يزل فيه حتى وقع الطاعون هناك فمات فيه . وقال حمّاد الرواية والكوفيون : بل مات بساباط في حبسه . وقال ابن الكلبيّ : ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته حتى مات ، واحتجّوا بقول الأعشى : فذاك [ 7 ] وما أنجى من الموت ربّه بساباط حتى مات وهو محزرق [ 8 ] / قال : المحزرق : المضيّق عليه . وأنكر هذا من زعم أنه مات بخانقين ، وقالوا : لم يزل محبوسا مدّة طويلة ، وإنه إنما مات بعد ذلك بحين قبيل الإسلام ، وغضبت له العرب حينئذ ، وكان قتله سبب وقعة ذي قار .
--> [ 1 ] العصب : ضرب من برود اليمن يعصب غزله أي يجمع ويشدّ ثم يصبغ وينسج فيأتي موشيا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ . [ 2 ] المدائن : الموضع الذي كان مسكن الملوك من الأكاسرة ، فكان كل واحد منهم إذا ملك بنى لنفسه مدينة إلى جنب التي قبلها وسماها باسم ، فسميت المدائن بذلك . وكان فتحها في أيام عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه على يد سعد بن أبي وقاص في صفر سنة 16 ه . [ 3 ] ساباط : موضع بالمدائن لكسرى أبرويز . [ 4 ] الأخيّة كأبيّة ويقال أخية بتخفيف الياء وآخيّة بالمدّ والتشديد ، وهي عود يعرض في الحائط ويدفن طرفاه فيه ويصير وسطه كالعروة تشدّ إليه الدابة . وقال ابن السكيت : الأخيّة : أن يدفن طرفا قطعة من الحبل في الأرض وفيها عصيّة أو حجير ويظهر منه مثل عروة تشدّ إليها الدابة وإنما تؤخى الأخيّة في مهواة الأرضين لأنها أرفق بالخيل من الأوتاد الناشزة عن الأرض . [ 5 ] الأرن : النشيط ، يقال أرن يأرن أرنا إذا مرح مرحا فهو أرن . [ 6 ] خانقين : بلد بسواد بغداد كان النعمان خنق به عديّ بن زيد حتى قتله . [ 7 ] كذا في ح و « تاريخ الطبريّ » قسم 1 ص 1028 و « تاج العروس » و « اللسان » مادة حزرق و « معجم ياقوت » في اسم ساباط . وفي باقي الأصول : « فداك » بالدال المهملة وهو تصحيف . [ 8 ] كما يقال حزرق الرجل بمعنى حبسه وضيّق عليه ، يقال : حرزقه أيضا بهذا المعنى . قال التوّزي : قلت لأبي زيد الأنصاريّ أنتم تنشدون قول الأعشى : « حتى مات وهو محزرق » وأبو عمرو الشيبانيّ ينشده « محرزق » بتقديم الراء على الزاي ، فقال : إنها نبطيّة ، وأم أبي عمرو نبطيّة فهو أعلم بها منا .